قصتي القصيرة محاولة يائسة للتسول؛ محاولة جادة للكتابة على مجلة العربي الكويتية و إذاعة بي بي سي

Publié le 13 Février 2014

arabidecLL.jpgالقصة القصيرة الفائزة في مسابقة مجلة العربي الكويتية مع إذاعة بي بي سي.
تجدون كلمة بسيطة في حقها بمجلة العربي عدد هذا الشهر (ص. 161 )

محاولة يائسة للتسول؛ محاولة جادة للكتابة

كانت المحطة الطرقية مليئة عن آخرها في ذلك اليوم، جلس هشام قرب صديقه علي على أحد كراسي الحافلة بعد أن وجدا بصعوبة مكانا لهما بين الركاب. صخب الخارج يتزايد لحظة بعد أخرى. تصعد إحدى النساء الحافلة حاملة رزمة من الأوراق فتوزعها على الركاب كما يوزع الأستاذ فرضه الفجائي على تلاميذه المذعورين.
تأمل هشام الورقة التي منحته إياها المرأة الشاحبة الوجه و المرتدية لملابس يفوح منها عطر الشقاء.
يوجه نظرة عفوية إلى صديقه علي المنغمس في قراءة إحدى كتابات إدريس الشرايبي؛ فتمده المرأة بورقة تسحبها بخفة من رزمة أوراقها. يستجيب علي و هو يبادل المرأة نظرة استغراب.
بعد أن أغلق دفتي الماضي البسيط نظر إلى الورقة فتحقق من كونها تحمل كلمات مكتوبة بحروف كبيرة مفادها أن المرأة تعيش ضائقة مادية و لا زوج لها ولا معين لها مما حدا بها طلب العون.
بعد تأمل عميق لفحوى كلمات الورقة يهمس في داخله
׃
ـ
״هل يتعلق الأمر بمحاولة تسول في صيغتها الحداثية ؟״
تعود المرأة و هي محافظة على صمتها الذي بدأت به دخولها و هي تتردد على ركاب الحافلة لجمع القطع النقدية التي تمنحها أيادي الركاب. وقفت أمام هشام و علي؛ مد علي يده إلى جيبه الضيق فأخرج قطعة نقدية من فئة 1 درهم و أعطاها إياها قائلا
׃
־ ״ امنحيني هذه الورقة ״.
ردت عليه بنظرة لم يفهمها حتى اللحظة
׃ نظرة قبول ورفض في الوقت نفسه. غادرت المرأة وهي تلتفت في غرابة إلى علي الذي جردها من إحدى الأوراق التي ستمكنها من ربح مزيدا من القطع لكونها لا تريد تحمل مشاق الذهاب إلى محل الطباعة من أجل توفير أوراق جديدة تعفيها صخب الكلمات التي لا تجيدها كما يجسد ذلك صمتها العميق.
صاح هشام في وجه علي
׃
־ ״وماذا تريد أن تفعل بالورقة ؟״.
رد علي بنظرة عميقة و هو يكتب العبارة التالية على ظهر الورقة الصغيرة
״ محطة انزگان. عيد الأضحى. محاولة تسول ״.
يعاود هشام طرح السؤال نفسه بصيغة أخرى
׃
-
״ حتى الأوراق ؟״.
يجيب علي على سؤال هشام مرددا
׃
־ ״ محاولة يائسة للتسول ׃ محاولة جادة للكتابة.........قصصية ربما״
خيم الصمت من جديد على فضاء الحافلة و عاد علي إلى روايته منغمسا في بحر كلماتها الثائرة.
بعد لحظات يصعد أحد الرجال مرتديا جلبابا أسود اللون و على وجهه أثر السفر؛ سفر في ظلام الزمان؛ فأعاد تجسيد نفس المسرحية. محاولة تسول رجالية هذه المرة.
لم تكن الورقة التي وزعها الرجل على الركاب مختلفة عن سابقتها إلى في بعض كلماتها كما ذيلت بالعبارة آلاتية
׃
־ ״ لايضيع الله اجر من أحسن عملا״.
جمع ما تيسر من القطع النقدية و غادر الحافلة. صادف إحدى النساء الهزيلات وهي تصعد درج الحافلة، صافحها بنظرة اشمئزاز قائلا
׃
־ ״ وا اكترتو ״ في إشارة واضحة إلى تزايد عدد المتسولين.
صعدت المرأة الحافلة و صوت ينبعث من ورائها. تحقق هشام بأن الصوت لم يكن غير بكاء ذلك الرضيع الذي يتدلى من ظهرها.
غيرت المرأة التكتيك؛ فتوجهت إلى ركاب الحافلة بخطاب طويل و ذو معنى، تكلمت عن محاولات التسول بصيغة خطابات الأوراق و أكدت على أن هذه الصيغة ليست إلا حيلة من أجل اصطياد قطع نقدية بأقل تكلفة
־ ٳن لم نقل بلا تكلفة ־
لم تطلب المرأة قطع صفراء ولا بيضاء بل أنهت خطابها بالوعظ و تحدث عن عذاب القبر و نهاية العالم. خيل لهشام و علي أنهم أمام مرشدة دينية بما تحمل الكلمة من معنى.
كان الجميع ينصتون وعيونهم مركزة على شفتي المرأة اللتان تتحركان بسرعة. بعد أن تأكدت من أن رسالتها وصلت و أن مخيلتها المثقلة بأعباء الزمن أمست خالية من حروف أو كلمات يمكن إضافتها؛ غادرت في صمت.
انتهى سيناريو التسول فتحركت الحافلة في اتجاه المدينة المنشودة و الغارقة في التاريخ.

بعد تردد طويل توجه هشام إلى علي بالخطاب قائلا
׃
־ ״غريب أنت، الآن لديك مادة لتطويع قلمك.....للكتابة״.
يجيب علي هشام بابتسامة موجزة مواصلا قراءة صفحات روايته البسيطة.

Rédigé par raja abdelkader

Publié dans #mes textes

Repost 0
Commenter cet article