ذهنية المجتمع و تجليات الثقافي و النفسي : قراءة تحليلية نقدية للأستاذ عبد القادر رجاء في فلم ” عطاتو ليام”

Publié le 4 Juin 2016

  عطاتو ليام

 

ترتبط السينما كفن من الفنون بالواقع الذي تنتج فيه ارتباطا أساسيا٬ و تكون بتسليطها ضوء الكاميرا وسيلة محاكاة للواقع و مصورة له على اختلاف زوايا و طرق  التصوير و تجسيد ذلك الوسط الزماني و المكاني و السكاني الذي تولد فيه. 

 و لعل ما دفع الأديب و الشاعر و الرسام و السينمائي الفرنسي جون كوكتو لتسميتها بكتابة حديثة عوض فيها الضوء الحبر٬ هو كونها تسلط ضوءها على العالم و ظواهره٬ على الإنسان و سكناته و تحركاته؛ فهي بذلك نوع من الكتابة رغم اختلافها على مستوى الشكل و الطريقة و التي من خلالهما تمارس وظيفتها بين تلك الفنون الشعبية التعبيرية الأخرى.

و إذا كان الأدب و الفن ينتج عن عملية أطلق عليها أرسطو اسم “المحاكاة”٬ فإن الفنان أو الأديب أو السينمائي يصور الأشياء حسب منظور متعدد قد يجسد الأشياء و الكون بما يستوعبه من تفاعلات بشرية و ظواهر٬ إما كما كانت أو كما هي في الواقع أو كما يصفها الناس و تبدو عليه.  أو و أخيرا كما يجب أن تكون؛ أي بمعنى الحالة التي يهدف إبداع فني أو أدبي ما التوجيه إليها و لفت الانتباه لها٬ و قد يكون هذا الجانب الأخير يستوعب بين طياته فكرة أن الفن له رسالة محددة و تسعى إلى التأثير في السلوك و الحال؛ فهي بذلك تدفع الأشياء و الوقائع و التحركات تجاه وضعية ما  و حال يجب أن يكون لا ما هو كائن.

و بكون السينما تعتبر في نظر مجموعة من الباحثين و الناقدين أداة فاعلة في تطور الإنسان بشكل عام و في تحقيق شروط التنمية و التغيير٬ فإنها تراهن على التفكير و التأسيس لتجارب تتجاوز البعد التجسيدي و المتعة البصرية العابرة و الروتينية إلى أبعاد أخرى ترتبط بأسئلة ثقافية و اجتماعية ووجودية.

 فهي أصبحت تحت هذه الزاوية وسيلة من الوسائل التي تسائل الوجود على صيغه المتعددة وتتفاعل مع المجتمع و مختلف تشكيلاته من مؤسسات و قيم و نظم التفكير و عادات و ظواهر و ذاكرة  و غيرها.

و لعل الفلم المغربي ” عطاتو ليام ” لمخرجه شوقي العوفير لا يخرج عن هذا الطرح و يعتبر بحق أرضية خصبة لمجموعة من الأسئلة الاجتماعية و النفسية والاقتصادية و حتى اللاشعورية٬ و لهذا السبب اخترنا الحديث عن هذا الفلم من خلال المحاور الآتية محاولين بذلك إبراز الخفي وراء الصورة الفلمية.

1 -”عطاتو ليام” قصة تتجاوز البساطة و حدود التلقي العابر

الفلم من إخراج شوقي العوفير المخرج المغربي ذي الأصول التازية و المقيم بالديار الفرنسية عن سيناريو لخديجة دوفيفي.  يلعب فيه دور البطولة شيشة عبد الله و حنان الإبراهيمي و تشارك فيه مجموعة من الوجوه السينمائية  المتميزة  التي بصمت و ما زالت تبصم واقع السينما المغربي كادريس الروخ ،  زهور المعمري، عبدو المسناوي و آخرين.

والفلم  من إنتاج شركة العليان للمخرج نبيل عيوش٬   و صورت أغلب مشاهده بمدينة الدار البيضاء خلال سنة 2010 , و القصة تبدو بسيطة غير أنها تستوعب بين طياتها أرضيات خصبة  لمجموعة من التحليلات و القراءات الممكنة و التي تتجاوز البصري إلى أشياء أخرى.

“عطاتو ليام” يقدم وببساطة طبعا قصة إبراهيم طيب القلب الذي يربح في لعبة اليانصيب ” اللوطو” ما مجموعه 3 مليار سنتيم. و يصبح إبراهيم/ شيشة محط اهتمام من طرف أصدقائه و عائلته و الإعلام. كما يحاول أحد النصابة النصب عليه و سرقة ما ربح.

المرأة و الحب حاضرة أيضا من خلال الميول العاطفي الذي سجل لدى إبراهيم تجاه ” ماريا” ( حنان الإبراهيمي) و التي كانت من خلال الدور تنتظر اليوم الموعود الذي سيتمكن فيه إبراهيم من طلب يدها و “العقد عليها”.

حصوله على هذه القيمة المالية الخيالية  أسال لعاب العديد من أقرباء و معارف إبراهيم؛ فحتى أخوه وصلت به الجرأة و الطمع إلى درجة أن يحاول تعريض حياته للخطر و محاولة تصفيته بدسه خلسة لقرص في كأس إبراهيم٬ و لكنه في النهاية ينجو من كل ذلك و يعود لحيه و لخطيبته.

بعيدا عن القصة ومثنها السينمائي البسيط في شكلياته و مضامينه العامة٬ تنتصب مجموعة من المظاهر الأخرى المشكلة لمعنى شمولي لفلم “عطاتو ليام” منها العنوان كعتبة أساسية للولوج إلى العالم البصري للفلم و تيمته  و ما وراء القصة كرؤى وتصورات و تمثلات مجتمع و قراءات لسيرورته فالسينما ” وثيقة بصرية لكتابة أو قراءة سيرورة المجتمعات و الذهنيات في خلفية كل فلم “  ( بشير قمري. دراسات في السينما ص׃109)  .

و بمعنى آخر فالكتابة و التجسيد الفلمي هما في نهاية المطاف و باعتبارهما وجهان لعملة واحدة عمليتان توثيقيتان للحظة من اللحظات المجتمعية و الفكرية.

2- “عطاتو ليام” رمزية و حدود العنوان  الثقافية

أكيد أن اختيار العنوان لم يكن اعتباطيا لهذه الدرجة لكي يتم رسمه بهذا الشكل و مسائلا في الآن ذاته للاشعور و ذاكرة و ثقافة المجتمع. ف “عطاتو ليام”  أو أعطته الأيام أو بصيغة أخرى أن تأتيه ضربة حظ حقيقية   un vrai coup de chance ( مقولة للجيلالي في الفلم) تعبير ينهل من فكر المجتمع و رؤيته للمادة و الاغتناء؛ لأن الفقير لم تعطه الأيام و أخذت منه٬ أما الغني أو الذي يغتني كما هو حال إبراهيم فهو من المحسوبين على من “عطاتهم” الأيام و جادت عليهم.

 والعنوان يحمل خلفية ثقافية واضحة٬  و ما يبزز بالملموس هذا الجانب هو كون تعابير أخرى تنهل من الثقافة الشعبية و تعتبر بحق تجسيدا لتضاريس المجتمع الفكرية٬ و هذه الاخيرة من قبيل ” إلى عطاتك ليام زيد لقدام”  أو “  إلى عطاك العاطي لتحرث لا تواطي” و  ” إلى عطاتك الايام دير كاتريام”؛ و عليه فعنوان فلم شوقي العوفير لا يتجاوز هذا الطرح, و يظهر مسكونا منذ عنوانه بأسئلة ثقافية ووجودية نفسية تميز مجتمعا متعطشا لوضعيات مالية مريحة قد تعفيه من تحمل عناء بصيغة الجمع تدخل في خانته اعتبارات اقتصادية و صحية و مستقبلية.

فالعنوان بهذه المعاني يدخل الفلم في بوثقة ثقافية شعبية و حتى وجودية توحي للقارئ العارف منذ الوهلة / العتبة الأولى بأن منتوج العوفير السينمائي يختار زاوية مجتمعية محضة, و يجعل الفلم ينطلق من الذاكرة الشعبية إلى الشعب نفسه عارضا لتصوراته و رؤاه و إخفاقاته.

“عطواتو ليام” إذن عنوان شعبي عريض لقصة شعبية أطول منه تؤرخ لطموحات و آهات فئات عريضة في حاجة لمن يستوعب بعضا من أحلامها و لو بالمعالجة السينمائية حتى.

تيمة الحب لم تكن غائبة كما سبق أن أشرنا إلى ذلك آنفا؛ فإبراهيم كان يكن إحساسا مميزا لماريا و التي كان يغمرها بألقاب متعددة و بتعابير من عالم الحب و العشق. فهو كان يسميها “لحبيبة” و كان أيضا يحب أن يناديها ب”الفريخ”  كلمة من الدارجة المغربية و التي ترادف في الفصحى “العصفور”.  إبراهيم كان يمازحها قائلا ” لفريخ ديالي” التعبير الذي نجد فيه نوعا من الإحالة على رؤية الأنثى و نموذجا من تمثلات الشخصية الذكورية نحوها. فإبراهيم العادي و المحتاج إن لم نقل المأزوم كان يرى في ماريا قبل أن يبتسم له الياناصيب “عصفورة” لأنه كان يريد التعويض عن واقع مقلق و يتخبط في معاناة متعددة الألوان  بإحساس الحب الذي قد يقرأ كفرصة للطيران و الهروب من حتمية الواقع و اليومي المتطلب. و كان بذلك هذا التعويض الحسي فرصة للتطهير و الحلم و التباعد بين نقطتين متناقضتين.

و لعل ما يضع هذا الجانب في صنف ثقافة و تفكير الشخصية الذكورية و تقديرها للحب هو استيعاب اللغة الدارجة لمجموعة من الألفاظ التي تصف الأنثى  ك” طيارة” و غيرها و التي قد تستعمل حسب المتعارف عليه  لغويا لدى الشباب و العاشقين  للحديث عن الأنثى.

3- المشاهد الأولى  أو البداية الواقعية

يفتتح فلم العوفير على المكان العام للأحداث الفلمية تليه إطلالة بالكاميرا على منزل إبراهيم الذي يعرف نقاشا من نكهة خاصة حول المعيش اليومي. عبارات من قبيل ” شحال ليوم في الشهر”٬ ” الشهر ديال المخزن” ٬” و الضوء و الماء و الهاتف و الخضر و الدواء” و متوالية من الكلمات و الألفاظ التي تتكرر في بيوت الأحياء البسيطة و تعد خبزا يوميا لأفراد  أسرها. قطعة  الثوم التي جاءت في جملة ” مليكة واش عندك شي ضريس ديال التومة” تأتي لتزيد من توضيح الواقع المادي و الاقتصادي لأم إبراهيم الطالبة لقطعة الثوم٬ و مليكة الجارة التي لا تتوفر بدورها على هذه القطعة. هذه الأخيرة  احتاجتها أم بطل الفلم من أجل الغداء الذي كانت تحتويه طنجرة الضغط والتي كان يسمع صفيرها خلال نهاية الخمس دقائق الأولى للفلم.

أما الحدث الذي يخرج الفلم من نفسه العادي هو تأكد إبراهيم من ربحه لثلاثة ملايير في الياناصيب٬ ليتغير بذلك وقع الشخصية على محيطها و إيقاع الفلم؛ بحيث خرج عن نمطه الطبيعي الذي بدأ به إلى نمط متحرك و متحول دفعت به 3 مليار إلى زاوية الغليان على مستوى الحركة و الأحداث. وكأن المادة أنقدت و حركت شرايين حي و عروق أسر أكلت الروتينية و التثاقل من صباحها و يومها.

و لم تترك عملية  حصول إبراهيم على الملايير الثلاثة مجالا للكاميرا لكي تسلط الضوء مجددا على طنجرة الضغط و لا الحوار أن يثير قطعة الثوم و غيرها من مظاهر البساطة و الاعتياد. ليتحول إبراهيم العادي إلى إبراهيم المنقذ و يرتدي ذلك اللباس الوجودي لكائن من أجل مجتمعه لا كائن من أجل ذاته فقط.

فإبراهيم كان يردد خلال مجموعة من المقاطع السينمائية بأن ” الفلوس ديالنا كاملين” أو ” لفلوس ديالنا بجوج” عندما يخاطب ماريا حبيبته و التي كان يلقبها بألفاظ متعددة منها ” الفريخ”, و التي لم تكن تردد مجانا طبعا كما سبق أن وقفنا على ذلك.

و بجعله لثلاثة ملايير في ذمة الكل و لو على مستوى اللغة و  أولا كان إبراهيم يود القول بأنه على علم تام بحال الحي و وضعيته الاقتصادية؛ فهو بذلك مدرك اجتماعيا للحي و ساكنته. ( الإدراك الاجتماعي من مفاهيم علم النفس الاجتماعي   يتطرق لها الدكتور فؤاد البهي في كتابه “علم النفس الاجتماعي” .)

 و قد يمكننا القول بأن الإدراك يتجاوز حده المعرفي إلى الشق التشاركي و الحسي; فبقوله أن النقود للجميع فهو يشارك حسيا و ماديا الأسرة الصغيرة و الكبيرة في حومته.

إبراهيم ينسج علاقة تبادلية و تفاعلية مع المجتمع المحيط به و تتحدد هذه العلاقة بين فرد و جماعة٬ مخلص و طالبي الخلاص؛  فالتفاعل و التبادل محصلة رغبة  مادية هوجاء  للذين يرون في إبراهيم منقذهم  و ملاييره مخلصتهم و محققة أحلامهم.

4 – إبراهيم المنقذ و حامي أحلام الحومة /الأمة

إبراهيم من خلال الفلم يظهر كذلك المنقذ و حامي أحلام الحومة/ الأمة و لا يعدو في نظرنا إبراهيم أن يكون إلا نموذجا بروتوتيبيا و رمزيا صنعه المخرج/ المغربي أولا ليصبح حقيقة شعبية فيما بعد. فإبراهيم ليس ببعيد عن نماذج سينمائية صنعت من أجل سد الفراغات الاجتماعية و الأمنية و اللاشعورية كما هو حال “سوبير مان” و “سبايدارمان” و غيرها من الحالات  و التي تقدمهم السينما كحامين و مخلصين و محافظين على النظام و البلدة و محاربين للشر و داعين للخير. فحالة منتوج السينما الهوليودية “سبايدرمان” مثلا تجسد نموذجا فكريا لحامي نيويورك ومحررها لأن المجتمع في نهاية الأمر في حاجة إلى خلق نماذج يزرع بداخلها قوى لا يملكها في الواقع و تطمح لها نفسيته و لا شعوره. و بهذا المنظور فإبراهيم من صنيع مجتمع في حاجة لمن يزرع بداخله قوى و إمكانيات متعددة منها المادية و الاقتصادية.

“عطاتو ليام” لشوقي العوفير هو تجسيد سينمائي لحالة طوارئ مجتمعية و لأفراد في حاجة إلى مخلصين حقيقيين لكي تبتسم الأيام للجميع و يصبح كل فرد منقذ لنفسه.

تبقى إشارة واحدة متعلقة بفلم “عطاتو ليام” لشوقي العوفير هي كونه  يتقارب و رؤاه مع فلم ” الحلم المغربي” لمخرجه جمال بلمجدوب؛ تقارب نلمسه من خلال طموحات أفراد في حاجة إلى من يأخذها  على محمل الجد٬ و يفسح لها مجالات واسعة للتحقق لا كما فعل بطل الحلم المغربي الذي جعل أحلام قبيلة بأكملها تتبخر و هو يرمي أوراقها من نافدة سيارته عند آخر منعطف في الدوار٬ و لا كفاعلية نسخ مخلصة و متعددة لإبراهيم قد تنهكه وحده أمام آمال و أحلام العديد.

---

Rédigé par raja abdelkader

Publié dans #Cinéma

Repost 0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article